أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

255

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 12 إلى 15 ] وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) قوله : . . . وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ . . . أن يكون خبر كان « لَنا » ، و « أَنْ نَأْتِيَكُمْ » اسمها ، أي : وما كان لنا إتيانكم بسورة . و إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ حال ، ويجوز أن يكون الخبر « إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » ، و « لَنا » تبيين . وقوله : وَما لَنا أَلَّا . : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ وقد تقدم « وَلَنَصْبِرَنَّ » جواب قسم وقوله : آذَيْتُمُونا يجوز أن تكون « ما » مصدرية ، وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعى حذفه ، على غير قياس . والثاني : أنها موصولة اسمية ، والعائد محذوف ، على التدريج ، إذ الأصل : آذيتمونا به ، ثم حذفت الباء ، فوصل الفعل إليه بنفسه . وقرأ الحسن بكسر لام الأمر في « ليتوكّل » وهو الأصل . و لَنُخْرِجَنَّكُمْ . جواب قسم مقدر ، كقوله : وَلَنَصْبِرَنَّ . قوله : أَوْ لَتَعُودُنَّ في « أَوْ » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين . والثاني : أنها بمعنى « حتّى » . والثالث : أنها بمعنى « إلّا » كقولهم : « لألزمنك أو تقضيني حقي » . والقولان الأخيران مردودان ، إذ لا يصح تركيب « حتّى » ولا تركيب « إلّا أن » مع قوله « لَتَعُودُنَّ » بخلاف المثال المتقدم . والعود - هنا - : يحتمل أن يكون على بابه ، أي : لترجعن ، و « فِي مِلَّتِنا » متعلق به ، وأن يكون بمعنى الصيرورة ، فيكون الجار في محل نصب خبرا لها . ولم يذكر الزمخشري غيره : فإن قلت : كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها . قلت : معاذ اللّه ، ولكن العود بمعنى الصيرورة ، وهو كثير في كلام العرب كثرة ، فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون « صار » ولكن عاد : ما عدت أراه ، عاد لا يكلّمني ، ما عاد لفلان مال ، أو خاطبوا به كل رسول ، ومن آمن به ، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد » . فقوله : « أو خاطبوا به إلى آخره ، هو الوجه الأول بالتأويل المذكور ، وهو تأويل حسن . قوله : لَنُهْلِكَنَّ جواب قسم مضمر ، وذلك القسم وجوابه فيه وجهان . أحدهما : أنه على إضمار القول ، أي : قال لنهلكن . والثاني : أنه أجرى الايحاء مجرى القول ، لأنه ضرب منه .